ابن عجيبة
414
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : إذا حصل للعبد القرب من الحبيب قربت منه الأشياء كلها ، ورغبت في خلّته الملائكة والجن والإنس والروحانيون ، فإذا مات صلت على جسده أجناد الأرض ، وعلى روحه أجناد السماء ، وفرحت بقدومه الملائكة والروحانيون ، وربما شفعه اللّه في أهل عصره أجمعين ، وإذا حصل للعبد البعد من ربه بعدت عنه الأشياء كلها ، ورفضت جسده وروحه الجن والإنس والملائكة ، فلا يصل عليه أحد ، ولا يقف على قبره بشر ، فالحذر الحذر من كل ما يبعد من حضرة الحبيب من المخالفات والإصرار على الزلات ، فإنه بريد الكفر ، الذي هو البعد الكبير - والعياذ بالله - . والبدار البدار إلى ما يقرب من الحبيب ، من أنواع الطاعات ، والمسارعة إلى الخيرات ، وسائر الأخلاق الحسنة والشيم المستحسنة . وبالله التوفيق . ثم أشار إلى تخلفهم عن الجهاد مع قدرتهم عليه ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 86 إلى 89 ] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 88 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 89 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ، أو بعضها ، في شأن الجهاد قائلة : أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وحده ، وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ صلّى اللّه عليه وسلّم ، اسْتَأْذَنَكَ في التخلف أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ أي : أولوا الغنى والسعة ، وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ؛ الذين قعدوا لعذر ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ؛ مع النساء ، جمع خالفة ، وقد يقال : الخالفة ؛ للذي لا خير فيه . وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر والنفاق ، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة ، وما في التخلف عنه من الشقاوة . لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي : إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا ، فقد جاهد من هو خير منهم ، وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ؛ منافع الدارين : النصر والغنيمة في الدنيا ، والجنة والكرامة في الآخرة . وقيل : الحور ، لقوله : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ « 1 » ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ؛ الفائزون بالمطالب
--> ( 1 ) الآية 70 من سورة الرحمن .